وهبة الزحيلي

263

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وكان العباس ممن يحرسه ، فلما نزلت ترك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الحرس » . و روي « أن أبا طالب كان يبعث مع رسول اللّه من يحرسه إذا خرج حتى نزل وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فذهب ليبعث معه ، فقال : يا عم ، إن اللّه حفظني ، لا حاجة لي إلى من تبعث » . وعن أنس رضي اللّه عنه : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحرسه سعد وحذيفة ، حتى نزلت هذه الآية ، فأخرج رأسه من قبة أدم ، وقال : انصرفوا يا أيها الناس ، فقد عصمني اللّه من الناس . وهذه الآية المكية وضعت في سياق تبليغ أهل الكتاب المأمور به في المدينة ، لتدل على تعرض النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لإيذائهم ، كما تعرض لإيذاء المشركين ، واللّه عصمه من الفريقين . وقيل : نزلت الآية بعد يوم أحد ، بدليل قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ومعناه : أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك . وللآية معنى أعم في الواقع وهو : بلّغ أنت واللّه هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء » كما قال تعالى : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ البقرة 2 / 272 ] وقال : فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ ، وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [ الرعد 13 / 40 ] . ثم كشف القرآن لكل الناس : أهل الكتاب والمسلمين عن حقيقة مهمة جدا هي أن النسبة إلى الدين لا تنفع إلا بالعمل به ، فقال : قُلْ : يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ أي قل يا محمد لأهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) : لستم على شيء من الدين يعتد به حتى تقيموا التوراة والإنجيل فيما أمرا به من التوحيد الخالص والعمل الصالح ، ومما فيهما الإيمان بمحمد والأمر باتباعه والإيمان بمبعثه